معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم


    تفريغ محاضرة لله الحكمة البالغة ( تدبر سورة يونس )

    خادمة الإسلام
    خادمة الإسلام
    هيئة التدريس


    جديد تفريغ محاضرة لله الحكمة البالغة ( تدبر سورة يونس )

    مُساهمة من طرف خادمة الإسلام الجمعة 05 نوفمبر 2010, 10:20 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سورة يو نس
    سورة يونس (مكية) نزلت بعد الإسراء، وهي في المصحف بعد التوبة، وعدد آياتها 109 آيات.
    الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [ سورة يونس - الآية 1 ]
    التعريف بالسورة : نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي بجوه الخاص وظلاله وإيقاعاته وإيحاءاته بعدما عشنا فترة في هذه الظلال مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني والقرآن المكي ولو أنه قرآن من القرآن يشترك مع سائره في خصائصه القرآنية العامة ; وفي تفرده من كل قول آخر لا يحمل الطابع الرباني الفريد العجيب في الموضوع وفي الأداء سواء إلا أن له مع ذلك جوه الخاص ومذاقه المعين الذي يعينه موضوعه الأساسي
    وهو في اختصار حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية وحقيقة العلاقات بينهما ; وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه ويتبعوا أمره وشرعه ; وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش ودخل وانحراف والتواء ; ورد الناس إلى إلههم الحق , كما يعينه أسلوب العرض لهذا الموضوع وهو أسلوب موح عميق الإيقاع بالغ التأثير ; حيث تشترك في أداء هذا الغرض كل خصائص التعبير من البناء اللفظي إلى المؤثرات الموضوعية ,
    ولقد كان آخر عهدنا بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها وتواجه الجاهلية بها وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا وعبادة وعملا بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ ,
    وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس بارتفاع وضخامة في الإيقاع وسرعة وقوة في النبض ولآليء شديد في التصوير والحركة بينما تمضي سورة يونس في إيقاع رخي ونبض هادئ وسلاسة وديعة فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة وملامحها المميزة بعد كل هذا التشابه والاختلاف .
    و السورة بدأت بحروف مقطعة (الر تلك آيات الكتاب الحكيم )
    ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب
    من الوحي إلى الرسول ص لينذر الناس ويبشر المؤمنين
    والرد على المعترضين أن يوحي الله إلى بشر
    إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما
    إلى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب
    إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير
    ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها الذين لا يرتقبون لقاء الله مدبر كل شيء وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير ; وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود
    وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال
    ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير وضراعتهم إلى الله عند مس الأذى ونسيانهم له عند كشف الضر ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته ولقيت مصارعها في ذلك الطريق
    ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول ص فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند الله وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل

    وإذا تحركنا مع السورة وجدنا مجموعة من المحاور أو الحقائق الرئيسية تدور حولها الآيات , و منها :
    1 - ( كل شيء بمشيئة الله وحكمته )
    الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين
    وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون
    - إنها تواجه ابتداء موقف المشركين في مكة من حقيقة الوحي إلى رسول اللّه ص ومن هذا القرآن ذاته بالتبعية ; فتقرر لهم أن الوحي لا عجب فيه وأن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله . وتواجه طلبهم خارقة مادية غير القرآن واستعجالهم بالوعيد الذي يسمعونه فتقرر لهم أن آية هذا الدين هي هذا القرآن ; وهو يحمل برهانه في تفرده المعجز الذي تتحداهم به وأن الآيات في يد الله ومشيئته ; وأن موعدهم بالجزاء يتعلق بأجل يقدره اللّه والنبي لا يملك شيئا فهو عبد من عباد الله وفي هذا جانب من التعريف لهم بربهم الحق وحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية
    2 - ( هو الواحد المعبود بحق وهو العليم الحكيم )
    و يعبدون من دون الله مالا يضرهم و لا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعائنا عند الله قل اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون
    هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون
    - وتواجه اضطراب تصورهم لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية الأمر الذي أوصلهم لعبادة مالا يضرهم ولا ينفعهم من الشركاء على اعتقاد أنهم شفعاؤهم عند الله ; كما يزعمون لله الولد سبحانه بلا علم ولا بينة فتقرر لهم صفات الإله الحق وآثار قدرته في الوجود من حولهم وفي وجودهم هم أنفسهم وفيما يتقلب بهم من ظواهر الكون وما يتقلب بهم هم من أحوال وهتاف فطرتهم وأنفسهم بربها الحق عند مواجهة الخطر الذي لا دافع له إلا الله وهذه هي القضية الكبرى التي تستغرق قطاعات شتى من السورة ( حكمة الله ) ; والتي تتفرع عنها سائر محتوياتها الأخرى
    3- ( العليم الخبير )
    - وتصور الآيات حضور الله سبحانه وشهوده لكل ما يهم به البشر وكل ما يزاولون من نية وعمل ; مما يملأ الحس البشري بالرهبة والروعة كما يملؤه بالحذر واليقظة وذلك في مثل قوله تعالى في هذه السورة
    وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
    4- ( حقيقة الدنيا و أنها ستنتهي في اي لحظة )
    - كذلك تملأ نفوسنا بالتوجس والتوقع لبأس الله في كل لحظة ليخرجوا من الغفلة التي ينشئها الرخاء والنعمة ; ولا ينخدعوا بازدهار الحياة حولهم فيأمنوا بأس الله الذي يأتي بغتة)
    إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون
    قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون
    5- (مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة)
    - وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة وتكذيبهم بلقاء الله بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة ومن الخسارة في الصفقة الدون التي يرضونها وتعريفهم بأن هذه الحياة الدينا إنما هي للابتلاء وفي الآخرة الجزاء ثم تواجههم بعرض مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة ; وخاصة ما يتصل منها بتخلي الشركاء عن عبادهم وتبرئهم منهم إلى اللّه وتعذر الفداء من العذاب مهما كبر الفداء
    إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب
    ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون
    ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين
    ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون
    6- (حكمه الحق وشرعه الراحة و الصلاح )
    - ثم تواجه ما يترتب على اضطراب تصورهم للألوهية ; وما يترتب على تكذيبهم بالبعث والآخرة وما يترتب على تكذيبهم بالوحي والنذارة من انطلاقهم في واقع الحياة العملية يزاولون خصائص الربوبية في التشريع لحياتهم والتحليل والتحريم في أرزاقهم ومعاملاتهم وفق ما تصوره لهم وثنيتهم واعتقادهم بالشركاء الذين يجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله يأخذه السدنة والكهنة ليحلوا لهم ما يشاءون ويحرموا عليهم ما يشاءون وهي القضية الكبرى التي تلي قضية الاعتقاد وتنبثق منها

    قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون
    والسورة تحتشد في إبلاغ تلك الحقائق التي تحتويها المؤثرات الموحية التي يحفل بها الأداء القرآني الفريد في الموضوع وفي التعبير
    1- تحتشد السورة بمشاهد هذا الكون وظواهره الموحية للفطرة البشرية بحقيقة الألوهية الدالة على التدبير الحكيم والقصد المرسوم في بناء هذا الكون وتصريفه وفي الموافقات المبثوثة فيه لنشأة الحياة والأحياء ولحياة الكائن الإنساني وتلبية حاجاته في حياته وقضية الألوهية يعرضها القرآن في هذه الصورة الحية الواقعية الموحية ; ولا يعرضها في أسلوب الجدل الفلسفي والمنطق الذهني والله خالق هذا الكون وخالق هذا الإنسان يعلم سبحانه أن بين فطرة هذا الإنسان ومشاهد هذا الكون وأسراره لغة مفهومة وتجاوباً أعمق من منطق الذهن البارد الجاف ; وأن هذه الفطرة يكفي أن توجه إلى مشاهد هذا الكون وأسراره ; وأن تستجاش لتستيقظ فيها أجهزة الاستقبال والتلقي ; وأنها عندئذ تهتز وتتفتح وتتلقى وتستجيب ومن ثم يكثر خطاب الفطرة البشرية في القرآن بهذه اللغة المفهومة وهذه نماذج من هذا الخطاب العميق الموحي
    إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون
    هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون
    إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون
    قل من يرزقكم من السماء والأرض ; أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون
    هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون
    قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون

    2- وتحتشد بمشاهد الأحداث والتجارب التي يشهدونها بأعينهم ويعيشونها بأنفسهم ; ولكنهم يمرون بها غافلين عن دلالتها على التدبير والتقدير والتصريف والتسيير ويعرض السياق القرآني لهم مشاهد من واقعهم هم في استقبال تلك الأحداث والتجارب ; كما ترفع المرآة للغافل عن نفسه فيرى فيها كيف هو على حقيقته وهذه نماذج من ذلك المنهج القرآني الفريد
    وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون
    وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون
    هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون
    3- وتحتشد بمصارع الغابرين من المكذبين آناً في صورة الخبر وآنا في صورة قصص بعض الرسل وتلتقي كلها عند عرض مشاهد التدمير على المكذبين ; وتهديدهم بمثل هذا المصير الذي لقيه من قبلهم فلا تغرنهم الحياة الدنيا فإن هي إلا فترة قصيرة للابتلاء أو ساعة من نهار يتعارف فيها الناس ثم يعودون إلى دار الإقامة في العذاب أو في النعيم
    ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون
    واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين
    ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون
    إلى قوله تعالى في نهاية القصة
    وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون
    فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين
    4- وتحتشد بمشاهد القيامة تعرض عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين عرضا حيا متحركا مؤثرا عميق الإيقاع في القلوب فتعرض مع مشاهد المصارع في الحياة الدنيا والتدمير على المجرمين ونجاة المؤمنين صفحتي الحياة في الدارين وبدء المطاف ونهايته حيث لا مهرب ولا فوت
    للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
    ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤكم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون
    ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون
    5- ومن المؤثرات التي تحتشد بها السورة تحدي المشركين المكذبين بالوحي أن يأتوا بآية من مثل هذا القرآن ثم توجيه الرسول ص بعد دعوتهم وتحديهم إلى تركهم ومصيرهم وهو مصير المكذبين الظالمين من قبلهم والمضي في طريقه المستقيم لا يحفلهم ولا يأبه لشأنهم والتحدي ثم المفاصلة والاستعلاء على هذا النحو مما يوقع في قلوبهم أن هذا النبي واثق من الحق الذي معه واثق من ربه الذي يتولاه وهذا بدوره يهز القلوب ويزلزل العناد
    وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ; ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين
    قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم
    قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين
    وبهذه المفاصلة تختم السورة ويختم هذا الحشد من المؤثرات التي سقنا نماذج منها .
    والترابط في سياق السورة يوحد بين مطلعها وختامها فيجيء في المطلع قوله تعالى
    الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين
    ويجيء في الختام
    واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين
    فالحديث عن قضية الوحي هو المطلع وهو الختام
    و الحديث عن الحكمة هو المطلع والختام
    كما أنه هو الموضوع المتصل الملتحم بين المطلع والختام
    كذلك يبدو الترابط بين المؤثرات المختلفة في السورة نذكر مثالا لذلك :
    الرد على استعجالهم بالوعيد وتهديدهم بأنه يقع بغتة حيث لا ينفعهم وقتها إيمان ولا توبة ثم يجيء القصص بعد ذلك في السورة مصورا ذلك المشهد بعينه في مصارع الغابرين في الرد عليهم
    ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم به تكسبون
    وفي نهاية قصة موسى في السورة يجيء هذا المشهد وكأنه الصورة الواقعية لذلك الوعيد
    وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون
    فالسورة تتدفق في هيئة موجات متوالية ; تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري وتخاطبه بإيقاعات منوعة من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلي فيها ألوهية الله سبحانه إلى عرض مشاهد القيامة إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم إلى عرض مصارع الغابرين
    وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة
    فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعا واحدا يتدفق بهذه الموجات المتتابعة
    ثم تجيء قصة نوح ومن بعده في اختصار وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس ; فتؤلف مقطعا آخر
    ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير

    هدف السورة
    إنَّ هدف سورة يونس هو الإيمان بالقضاء والقدر...
    ففي الحديث أن جبريل  جاء إلى النبي  فقال يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال لـه رسول الله : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره... فالسورة تعالج هذا الركن الأخير من أركان الإيمان.
    تساؤلات وتشكيك
    إن هذه السورة تعالج مشكلة عند أشخاص كثيرين، والتي تتجلى في تساؤلات مثل:
    - هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟!
    - لماذا هدى الله هذا الشخص إلى الإيمان ولم يهد ذاك؟
    - لماذا أنجى الله فلاناً ولم ينج فلان؟!
    - ربنا خلقنا ويعلم كيف نتصرف، وفرض علينا ظروفاً هو الذي صنعها، فكيف يحاسبنا يوم القيامة؟
    - الله كتب على البعض عدم الهداية، فلماذا السعي إلى العبادة؟ وبعض الناس نسألهم لماذا لا تصلون؟ فيجيبون: حتى يريد الله تعالى.



    - طالما أن الله تعالى قد كتب عنده إن كنا من أهل الجنة أو من أهل النار، فلم العمل؟ فمهما فعلنا لن يغيّر هذا من الأمر شيئاً!
    هذه السورة تعلّم قارئ القرآن كيف يرد على هؤلاء الناس المترددين (أو المشككين)، ويطمئن نفسه بالدرجة الأولى. فالبعض قد تصل به الوساوس إلى أن يتخيل أن الله ظلم فلاناً بكتبه من أهل النار (والعياذ بالله).
    ولكي نردّ عليهم لا بد من طرح سؤال: ماذا يكون من يجبر شخصاً على فعل أمر ما ثم يعاقبه عليه؟
    إنه يكون ظالماً وعابثاً بالتأكيد، والله تعالى منزّه عن الظلم والعبث..
    لذلك فهذه السورة ترد على هذه الافتراءات بطريقة لم يعهدها الناس
    من قبل...
    الحكيم لا يعبث
    تعالوا إذاً نعرف صفات ربنا سبحانه وتعالى، فإذا فهمنا أنه حكيم غير ظالم، يريد الحق وليس العبث، فهمنا أنه لا محل للسؤال أصلاً.
    إن أفعال الله تعالى في الكون أفعال حكيم مدبّر، يرحم الناس، وليست أفعال ظالم يجبر الناس على أشياء ليس لهم يد فيها... فلا يصدر عنه سبحانه إلا الحكمة والتدبير والعظمة.
    والسورة تؤكد هذا المعنى بطريقة رائعة، عن طريق التدبر في هذا الكون والتفكر في حكمة الله فيه، حتى نعرف هل يصدر عن الله العبث أم لا؟ إن السورة ستظهر لك أن كل ما في الكون إنما هو من حكمة الله وتدبيره، فمحال أن يصدر عنه العبث سبحانه، فثق بحكمته وتوكل عليه.
    الكتاب الحكيم
    هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة ألف لام را كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره تلك آيات الكتاب الحكيم

    فمن أول آيات السورة نلاحظ وضوح المعاني السابقة: تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ.
    وللقرآن أوصاف كثيرة فما سر اختيار الحكيم هنا؟ حتى تعلم أن قضاء الله وكلامه لا يصدران إلا عن حكمة بالغة وتدبير محكم.
    وفي الآية الثانية: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ.
    أي هل تتعجبون من كون الرسالة قد أنزلت على محمد ... فالله تعالى ينزل رسالته على من يشاء وهناك حكمة وتدبير لاختيار الله  للرسول الذي يحمل الرسالة، ولذلك جاء في آية أخرى ٱلله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (الأنعام، 124).
    يدبّر الأمر
    وبعد ذلك تنتقل الآيات للحديث عن ملك الله  للكون وتدبيره في ملكه حتى تشعر بصفاته وتوقن بها وتدفع الظنون والأوهام. إِنَّ رَبَّكُمُ ٱلله ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ.
    وقوله تعالى: يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ يتكرر كثيراً خلال هذه السورة، حتى نعلم أنه حكيم ومدبر، فكيف نظن العبث يصدر عن حكمته سبحانه؟ كيف نظن الظلم في أفعاله وأنه جعل الإنسان مجبراً على المعصية لأنه كتبه من أهل النار؟
    الحق عنوانها
    ثم تأتي الآية التي بعدها إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱلله حَقّا.... والحق هو نقيض العبث والصدفة، لذلك تكررت كلمة الحق في هذه السورة - التي تتحدث عن التسليم لقضاء الله وقدره - ثلاثاً وعشرين مرة، وهي أعلى نسبة لورود كلمة الحق في القرآن، 23 مرة في سورة عدد آياتها 109، بينما أكثر سورة ذكراً للحق بعد سورة يونس هي سورة آل عمران، 13 مرة في 200 آية، وبهذا يتضح الفرق الواضح في النسبة، لأن سورة يونس تؤكد على ضرورة التسليم لله الحق في قضائه وتدبيره.
    ونتابع مع الآية (4):
    إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱلله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ.
    فلينظر كل حائر وكل مشكّك إلى ملك الله وليتفكر في تدبيره وإدارته لملكه. فالآية حددت أن سبب تعذيبه لبعض البشر هو كفرهم به تعالى ... بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ.
    والآية التي بعدها تلفت نظرك إلى خلقه وتدبيره:
    ما خلق الله ذلك إلا بالحق
    هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱلله ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱلله فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6).
    إنها دعوة للتفكر في خلق الله  وتدبيره في الليل والنهار... فهل يصدر مثل هذا التدبير إلا عن الحق تبارك وتعالى!... فالذي يدبّر ذلك يستحيل عليه العبث، ويستحيل عليه إدخال الناس النار مجبرين.
    عمن تصدر هذه التساؤلات؟
    توضّح الآية السابعة من السورة نوع الناس الذين يعتقدون مثل هذه المعتقدات الباطلة في حق الله: إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ  أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ.
    وهذه ملحوظة مهمة أتت بها السورة: فمن الذي يطرح هذه الأسئلة ويشكك في حكمة الله؟ إنهم غير المتدينين والبعيدين عن طاعة الله، وهم يطرحون أسئلة كهذه ليريحوا أنفسهم. ولم نسمع يوماً بشخص متديّن ينفّذ الطاعات ويشكّك بأن الله تعالى أجبره على الطاعة، لذلك فالمتدينون لا يطرحون أبداً مثل هذه الأسئلة.. والآية السابقة تبيّن لنا أن أصل المرض الذي أصاب هؤلاء هو الغفلة عن آيات الله وعدم استشعار حكمته في أوضح صورها.
    حكمة الله في أفعاله
    وتستمر الآيات لتؤكد على نفس المعنى: الله تعالى لا يصدر عنه العبث، فكل أفعاله حكمة..
    قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلاْبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱلله (31) فلماذا الشك والريبة ما دمتم تقرون بأن الله يدبر الأمر؟
    فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ اتقوا الله فيما تقولون... ونعود لنسمع كلمات ٱلْحَقُّ وحَقَّتْ لتزيد من طمأنة قلوبنا: فَذَلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ  كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (32-33).
    وبعد ذلك يقول : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ قُلِ ٱلله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (34).
    فيا من تتهمون الله بتدبيره... أين التسليم لله، كيف تحكمون! بأي طريقة تفكرون وأنتم تعيشون في هذا الكون... اسمع هذا القسم الرائع من جبار السماوات والأرض:
    وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ
    بِمُعْجِزِينَ (53).
    وبعد ذلك يقول : أَلا إِنَّ لله مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱلله حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (55).
    حشد هائل من الآيات يصب في نفس المعنى ويركز على نفس المحور ليزيل من القلب أي شبهة وتساؤل.
    أفعالكم هي السبب
    إن تركيز الآيات على الحق والحكمة والتدبير يظهر أن ما يحدث للعباد إنما هو بسبب عملهم وسعيهم.
    فلا يقع الهلاك من الله إلا بعد الظلم من البشر.. يقول تعالى: إِنَّ ٱلله لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (13).
    فالناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ولا يجوز أن يتهموا الله بالظلم لما يصيبهم من عذاب ومصائب، بل يجب أن ينظروا ماذا فعلوا هم حتى أصابهم الله  بهذا العذاب.
    ويظهر هذا المعنى جلياً في قوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ... (13).
    متى وقع الهلاك؟ عندما ظهر ظلمهم وفسادهم. فأفعال البشر هي السبب الأول لما يحل بهم من العقوبات.
    وتأتي آيات كثيرة لتخدم نفس المعنى: وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاءُ سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ... (27).
    هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ... (30).
    كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ
    يُؤْمِنُونَ (33).
    وبالمقابل، ترينا الآيات أن المثوبة الربانية لا تكون عن عبث، بل إنها رهن بمن استحقها: لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ... (26).
    الله أعلم بعباده
    وإذا تابعنا قراءة الآيات، وجدنا أن السورة تنتقل إلى مفهوم جديد وسؤال مباغت:
    كيف تتعجبون من قضاء الله وأفعالكم أنتم تجاه قضاء الله وقدره أشد غرابة؟ اسمع معي الآيات:
    وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ... (12) هذه الآية تصور لنا مشهدين بشكل رائع: مشهد الإنسان المهموم الذي يدعو الله تعالى بأي طريقة (لجنبه أو قاعداً أو قائماً) وفي هذه الصورة تثاقل وبطء، حتى إذا انتهت الأزمة كان تصرفه وغفلته سريعين (مر)...كأنه مر بدون أن يتوقف ليشكر أو يلتفت ليتدبر.
    وفي آية أخرى: وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَـٰتِنَا قُلِ ٱلله أَسْرَعُ مَكْرًا (21).
    فهذه الآية تشرح كيف يقع القضاء والقدر، فإن كان بعض البشر مستغرباً من قضاء الله، فإنه تعالى يعلم من منكم سيشكر ومن منكم سيكفر، وتأتي الآية التي بعدها لتوضح المعنى أكثر هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا... (22).
    ولا يصفو القلب لخالقه إلا عند الشدة، ولا يرق إلا في الكوارث، فإذا مرت بسلام نسي اللجوء إلى خالقه من قبل... أنظر بالله عليك، ماذا بعد الريح الطيبة التي فرحت بها القلوب وذهلت عن صاحب النعمة: ... جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱلله مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (22).
    وما يحدث في أمواج البحر يحدث أيضاً بين أمواج الحياة وتقلباتها. فماذا يكون حال ركاب السفينة عند النجاة؟
    فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلاْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وتلك قمة
    التناقض، وغاية الانحراف عن الحق، لأن الله غني عن البشر يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23).
    فما علاقة هذا المثل بهدف السورة؟ كأن المعنى: لا تعجبوا من قضاء الله فيكم لأنه يعلم من منكم سيشكر بعد رفع البلاء ويتوب، ومن سيعود إلى جرمه ثانية!..
    رسائل القدر
    يقع قضاء الله وقدره لأنه  أعلم كيف سيتصرف كل إنسان بعد رفع البلاء، فلا يوجد إنسان إلا وقد تعرّض لمواقف قبل أن يأتيه البلاء، ويظهر من خلال المواقف كيف سيكون تصرفه بعد رفعه. فالإنسان يختبر بابتلاءات صغيرة فيدعو الله ، وقد يهلكه الله لأنه تعالى يعلم كيف سيتصرف العبد إذا ما رفع عنه البلاء، فلقد أعطاه الله فرصا , مرات عديدة...
    فالقضاء والقدر إنما هو بحكمة من الله  وليس عبثاً، وقد ندرك هذه الحكمة وقد لا ندركها، وحتى لو لم ندرك الحكمة بعقولنا البسيطة فلا يجوز لنا أن نتهم الله  في حكمته، ولكن ينبغي التسليم والثقة المطلقة بالله والتوكل عليه، واليقين بأنه هو الحكيم العليم الذي لا يظلم أبداً...
    أنبياء الله والتوكل
    لذلك جاءت قصص الأنبياء في هذه السورة لتؤكد على معنى التوكل على الله عند دعوة الأنبياء لأقوامهم:
    نوح: ... يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱلله فَعَلَى ٱلله تَوَكَّلْتُ... (71).
    موسى: وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱلله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن
    كُنْتُم مُّسْلِمِينَ  فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱلله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ
    ٱلظَّـٰلِمِينَ (84-85).
    فرعون وقوم يونس
    ونصل إلى ختام السورة حيث تذكر لنا السورة قصتين لتوضيح ما سبق: فرعون، وقوم يونس.
    فبعد أن أوضحت السورة في كثير من الآيات حكمة الله  وتدبيره، وتصرفات البشر حيالها..ضربت السورة مثالين: الأول لفرعون الذي كذب بآيات الله، والثاني قوم يونس الذين كذبوا بالله أول الأمر.
    وفي المثلين تجد أن النبيين ذهبا إلى البحر: موسى ويونس. وظل القومان على تكذيبهما حتى نزل بهم العذاب جميعاً، لكن الذي جرى هو هلاك فرعون وآله ونجاة قوم يونس...
    يقول : وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (90) فيظهر هنا إدعاء الإيمان، فيأتي الرد:
    ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ (91).
    أما قوم يونس، فقصتهم شبيهة بقصة فرعون، وقد نجوا فيما أهلك فرعون. اسمع الآيات:
    فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (98).
    فالعذاب كان قد نزل، ولكن الله كشفه عنهم بإيمانهم، فما الفرق بين فرعون وقوم يونس؟ فكلاهما قال آمنا! وكلاهما تركهم رسلهم لأنهم كذبوا؟ فلماذا أهلك فرعون فيما نجا قوم يونس؟ هل ظلم فرعون وحابى قوم يونس؟ إنها مسألة رائعة في القضاء والقدر...
    ألا يعلم من خلق...؟!
    فالله  أعلم بما في الصدور، ففرعون لو رد لعاد لما كان عليه، فيما نجّى الله  قوم يونس  لأنهم لو ردّوا لعادوا إلى الصلاح فاهلك فرعون ونجّى قوم يونس، ودليل ذلك قوله تعالى مخاطباً فرعون:
    ... ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ... فهذا يعني أنه قد جاءت فرص كثيرة لفرعون من قبل هذا، لكنه كان يعود إلى إفساده في كل مرة. بل إنه رأى آية البحر وهو ينشق للمؤمنين فتبعهم بدلاً من أن يتفكّر في تلك الآية، وظل يتبعهم حتى الغرق.
    أما قوم يونس، فان الله تعالى علم منهم صدق العودة، ولأنه رحيم، أعطاهم الفرصة. والدليل على ذلك أن بقائهم على الإيمان هو ما حصل فعلاً حين نجاهم الله  ... كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ... (98) فلقد بقوا طائعين لله  مؤمنين به، فاستمتعوا بنعم الله طيلة حياتهم في الدنيا، ففازوا وسميت السورة باسم نبيهم.
    لماذا سورة يونس...؟!
    ذكر اسم سيدنا يونس في هذه السورة في آية واحدة فقط، وهناك سور كثيرة جاء فيها ذكر هذا النبي الكريم أكثر من هنا. ولم يذكر سيدنا يونس في السورة بل ذكر قومه فقط (لأنه تركهم أصلاً وكان في بطن الحوت عند إيمانهم)، فما الحكمة؟
    لقد سميت هذه السورة بسورة يونس حتى يبقى مثل قوم يونس شاهداً على حكمة الله، وأن الإنسان لـه دور فيما يحدث لـه ويقع عليه، لأنهم بعد التوبة استمروا على طريق الهداية رغم غياب نبيهم، كأن القصة شاهد ودليل أن حكمة الله كانت في محلها وَكَفَىٰ بِٱلله شَهِيداً.
    وقد تقول في نفسك: ولم لم يعط فرعون الفرصة، فقد يتوب هذه المرة... راجع الآيات (22 و23). وكأنها تقول لك: ألم تقرأ السورة؟ ولم توقن بحكمة الله؟ إن الله هو أعلم بفرعون منك، والقضاء والقدر لا يكونان إلا بحكمة من الله تعالى، وليس عبثاً، وقد تدرك الحكمة وقد لا تدركها، فثق بأن الله حكيم عليم لا يظلم أحداً، وتوكل عليه.
    كيف تتعامل مع قضاء الله؟
    ثلاثة أوامر تختتم بها السورة لتكون درساً عملياً في الإيمان بالقضاء
    والقدر:
    سلم له - لا تلجأ إلى غيره - توكل عليه.
    وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱلله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (105-106).
    ولا يضعف إيمانك بالقضاء والقدر مهما كان لأن كل ما يقدره الله هو لخير العباد ورحمتهم:
    وَإِن يَمْسَسْكَ ٱلله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ... (107) فسلّم لقضاء الله وقدره، تسلم في الدنيا والآخرة.




      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 14 يوليو 2024, 11:14 pm